عبد الملك الثعالبي النيسابوري
462
يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر
رقعة أخرى أمتع اللّه الشيخ بعنوان الشتاء ، وباكورة الديم والأنواء . وهنأه اللّه اليوم الذي هو نسخة جوده ، ومجاجة ماء أرواه اللّه بماء المجد من عوده « 1 » . وعرفه من بركاته ، أضعاف قطر السماء بأقطاره وساحاته ، وأضحك قلوبنا ببقائه ، كما أضحك الرياض بأندائه ، وحجب عنه صروف الأيام ، كما حجب السماء عنا بأجنحة الغمام ، قد حضرني أيد اللّه الشيخ عدة من شركائي في خدمته ، فارتحت لاشتراكهم إياي فيما ادرعته من فضل نعمته « 2 » ، وأشفقت من سمة التقصير لديه ، فقدت هذه الرقعة جنيبة عذر بين يدي عارض التقدير إليه ، وفي فائض كرمه ما حفظ شمل الأنس على خدمه ، لا زال مأنوس الجناب ، بالنعم الرغاب ، مأهول المعاهد ، بالقسم الخوالد . فصل في الإنكار على من يذم الدهر عتبك على الدهر داع إلى العتب عليك ، واستبطاؤك إياه صارف عنان اللوم إليك ، فالدهر سهم من سهام اللّه منزعه عن مقابض أحكامه ، ومطلعه من جانب ما حررته مجاري أقلامه . والوقيعة فيه بمرس بحكم خالقه وباريه ، ومجاري الأشياء على قدر طباعها ، وبحسب ما في قواها وأوضاعها . ومن ذا الذي يلوم الأراقم على النهش بالأنياب ، والعقارب على اللسع بالأذناب ، وأنى لها أن تذم ، وقد أشربت خلقتها السم ، وحكم اللّه في كل حال مطاع ، وبأمره رضى واقتناع ، فاعف الزمان عن قوارص لسانك ، واضرب عليها حجاب الحرص بأسنانك ، واذكر قول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم « لا تسبوا الدهر فإن اللّه هو الدهر » وعليك بالتسليم ، لحكم العلي العظيم ، فذاك أحمد عقبى ، وأرشد دينا ودنيا .
--> ( 1 ) مجاجة الماء : عصارته ، وعوده : أي عطائه . ( 2 ) ادرعته : أي اتخذته درعا فيه حمى ووقاية .